محمد بن جرير الطبري
228
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الرجل منهم شتمه كسرى وزبره فلم يقدم على قتله أحد ، حتى أتاه شاب يقال له مهر هرمز بن مردان شاه ليقتله ، وكان مردان شاه فاذوسبانا لكسرى على ناحية نيمروذ ، وكان من أطوع الناس لكسرى وانصحهم له ، وان كسرى سال قبل ان يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته عن عاقبه امره ، وأخبروه ان منيته آتيه من قبل نيمروذ فاتهم مردان شاه ، وتخوف ناحيته لعظم قدره ، وانه لم يكن في تلك الناحية من يعدله في القوه والقدرة . فكتب اليه ان يعجل القدوم عليه ، حتى إذا قدم عليه اجال الرأي في طلب عله يقتله بها ، فلم يجد عليه عثره ، وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه ، ونصيحته له ، وتحريه مرضاته فرأى ان يستبقيه ، ويأمر بقطع يمينه ، ويعوضه منها أموالا عظيمه يجود له بها ، فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه ، وانما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبه الملك . وان كسرى ارسل يوم امر بقطع يده عينا ليأتيه بخبر ما يسمع من مردان شاه وممن بحضرته من النظارة ، وان مردان شاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله ، فقبلها ووضعها في حجره ، وجعل يندبها بدمع له دار ويقول : وا سمحتاه ! وا راميتاه ! وا كاتبتاه ! وا ضاربتاه ! وا لاعبتاه ! وا كريمتاه ! فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عينا عليه ، فأخبره بما رأى وسمع منه ، فرق له كسرى ، وندم على اتيانه في امره ما اتى ، فأرسل اليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه ، وانه لن يسأله شيئا يجد السبيل إلى بذله له الا اجابه اليه ، واسعفه به . فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له ، ويقول : انى لم أزل اعرف تفضلك على أيها الملك ، واشكره لك ، وقد تيقنت ان الذي اتيت إلى مع كراهتك إياه ، انما كان سببه القضاء ، ولكني سائلك امرا فأعطني من الايمان على اسعافك إياي به ما اطمان اليه ، وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك ، فافرشك إياه وأبثه لك